ابن الجوزي
229
صيد الخاطر
182 - من عصى اللّه بطاعة غيره سلطه عليه العاقل من يحفظ جانب اللّه عز وجل وان غضب الخلق وكل من يحفظ جانب المخلوقين ويضيع حق الخالق يقلب اللّه قلب الذي قصد أن يرضيه فيسخطه عليه . قال المأمون لبعض أصحابه : لا تعص اللّه بطاعتي فيسلطني عليك . ولما بالغ طاهر بن الحسين فيما فعل بالأمين وفتك به وصلب رأسه وان كان ذلك عن إرادة المأمون ، ولكن بقي أثر ذلك في قلبه ، فكان المأمون لا يقدر أن يراه . ولقد دخل عليه يوما فبكى المأمون ، فقال له طاهر : لم تبكي لا أبكى اللّه عينك ، فلقد دانت لك البلاد ؟ فقال : أبكي لأمر ذكره ذل ، وسره حزن ، ولن يخلو أحد من شجن . فلما خرج طاهر أنفذ إلى حسين الخادم مائتي ألف درهم وسأله أن يسأل المأمون : لم بكى ؟ فلما تغدى المأمون قال : يا حسين اسقني ! قال : لا واللّه لا أسقيك حتى تقول لي لم بكيت حين دخل عليك طاهر . قال : يا حسين وكيف عنيت بهذا حتى سألت عنه . قال : لغمي بذلك . قال : يا حسين أمر ان خرج من رأسك قتلتك . قال : يا سيدي ومتى أخرجت لك سرا ؟ قال : اني ذكرت أخي محمدا وما ناله من الذلة فخنقتني العبرة فاسترحت إلى افاضتها . ولن يفوت طاهرا مني ما يكره . فأخبر حسين طاهرا بذلك ، فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد فقال له : ان المعروف عندي ليس بضائع فغيبني عن عينه . قال : سأفعل . فدخل على المأمون فقال : ما بت البارحة . قال : ولم ؟ قال : لأنك وليت غسان بن عباد خراسان ، وهو ومن معه أكلة رأس « 1 » ، فأخاف أن يخرج خارج من الترك فيصطلمه .
--> ( 1 ) أي أنهم لا يثبتون لعدوهم الا هذا الزمن اليسير .